ابن قيم الجوزية

327

الروح

وأما سوء الظن : فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس حتى يطفح على لسانه وجوارحه ، فهم معه أبدا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض ببغضهم ويبغضونه ، ويلعنهم ويلعنونه ، ويحذرهم ويحذرون منه ، فالأول يخالطهم ويحترز منهم ، والثاني يتجنبهم ويلحقه أذاهم ، الأول داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز ، والثاني خارج منهم مع الغش والدغل والبغض . فصل [ الفرق بين الفراسة ، والظن ] والفرق بين الفراسة ، والظن أن الظن يخطئ ويصيب وهو يكون مع ظلمة القلب ونوره وطهارته ونجاسته ولهذا أمر تعالى باجتناب كثير منه وأخبر أن بعضه إثم . وأما الفراسة : فأثنى على أهلها مدحهم في قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ « 1 » قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وغيره أي للمتفرسين وقال تعالى : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ « 2 » وقال تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ « 3 » فالفراسة الصادقة لقلب قد تطهر وتصفى وتنزه من الأدناس وقرب من اللّه فهو ينظر بنور اللّه الذي جعله في قلبه . وفي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه ) . وهذه الفراسة نشأت له من قربه من اللّه فإن القلب إذا قرب من اللّه انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه وكان تلقيه من مشكاة قريبة من اللّه بحسب قربه منه وأضاء له النور بقدر قربه فرأى في ذلك النور ما لم يره البعيد والمحجوب ، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما يروي عنه ربه عز وجل أنه : قال ما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ، فأخبر سبحانه أن تقرب عبده منه

--> ( 1 ) سورة الحجر ، الآية 75 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 273 . ( 3 ) سورة محمد ، الآية 30 .